سيد محمد طنطاوي

125

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

نزول العذاب بهم مباشرة ، إلا أنهم لم يجدوا أحدا ، يدفع عنهم شيئا من هذا العذاب الأليم . ثم واصلت السورة الكريمة حكاية ما ناجى نوح به ربه ، فقالت : * ( وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ) * . أي : وقال نوح متابعا حديثه مع ربه ، ومناجاته له : يا رب ، لا تترك على الأرض من هؤلاء الكافرين * ( دَيَّاراً ) * أي : واحدا يسكن دارا ، أو واحدا منهم يدور في الأرض ويتحرك عليها ، بل خذهم جميعا أخذ عزيز مقتدر . فقوله * ( دَيَّاراً ) * مأخوذ من الدار ، أو الدوران ، وهو التحرك ، والمقصود : لا تذر منهم أحدا أصلا ، بل اقطع دابرهم جميعا . قالوا : والديار من الأسماء التي لا تستعمل إلا في النفي العام . يقال : ما بالدار ديار . أي : ليس بها أحد البتة ، وهو اسم بزنة فيعال . وقوله * ( إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ ) * تعليل لدعائه عليهم جميعا بالهلاك . أي : يا رب لا تترك منهم أحدا سالما ، بل أهلكهم جميعا لأنك إن تترك منهم أحدا على أرضك بدون إهلاك ، فإن هؤلاء المتروكين من دأبهم - كما رأيت منهم زمانا طويلا - إضلال عبادك عن طريق الحق . وقوله : * ( ولا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً ) * زيادة في ذمهم وفي التشنيع عليهم . والفاجر : هو المتصف بالفجور ، والملازم له ملازمة شديدة ، والفجور : هو الفعل البالغ للنهاية في الفساد والقبح . والكفار : هو المبالغ في الكفر ، والجحود لنعم اللَّه - تعالى - . أي : إنك يا إلهي إن تتركهم بدون إهلاك ، يضلوا عبادك عن كل خير ، وهم فوق ذلك ، لن يلدوا إلا من هو مثلهم في الفجور والكفران لأنهم قد نشّأوا أولادهم على كراهية الحق ، وعلى محبة الباطل . قال الجمل : فإن قيل : كيف علم نوح أن أولادهم يكفرون ؟ أجيب : بأنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ، فعرف طباعهم وأحوالهم ، وكان الرجل منهم ينطلق إليه بابنه ويقول له : احذر هذا - أي نوحا - فإنه كذاب ، وإن أبى حذرني منه ، فيموت الكبير ، وينشأ الصغير على ذلك . « 1 » وعلى أية حال فالذي نعتقده أن نوحا - عليه السلام - ما دعا عليهم بهذا الدعاء ، وما قال في شأنهم هذا القول - وهو واحد من أولى العزم من الرسل - إلا بعد أن يئس من

--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 415 .